ابن كثير
117
البداية والنهاية
وقد ذكرنا صفة مقتله إياه ، وقد رويت آثار غريبة في صفة مقتله ، أكثرها لا يصح ، وقد عوقب الحجاج بعده وعوجل بالعقوبة ، فلم يلبث بعده إلا قليلا ثم أخذه الله أخذ عزيز مقتدر ، كما سنذكر وفاته في السنة الآتية ، فقيل إنه مكث بعده خمسة عشر يوما ، وقيل أربعين يوما ، وقيل ستة أشهر والله أعلم . واختلفوا في عمر سعيد بن جبير رحمه الله حين قتل ، فقيل تسعا وأربعين سنة ، وقيل سبعا وخمسين فالله أعلم . قال أبو القاسم اللالكائي : كان مقتله في سنة خمس وتسعين ، وذكر ابن جرير مقتله في هذه السنة - سنة أربع وتسعين - فالله أعلم . قلت : ها هنا كلمات حسان من كلام سعيد بن جبير أحببت أن أذكرها . قال : إن أفضل الخشية أن تخشى الله خشية تحول بينك وبين معصيته ، وتحملك على طاعته ، فتلك هي الخشية النافعة . والذكر طاعة الله ، فمن أطاع الله فقد ذكره ، ومن لم يطعه فليس بذاكر له ، وإن كثر منه التسبيح وتلاوة القرآن . قيل له : من أعبد الناس ؟ قال : رجل اقترف ( 1 ) من الذنوب ، فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله ، وقال له الحجاج : ويلك ؟ فقال : الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار ، فقال : اضربوا عنقه ، فقال : إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، أستحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة فأنا خصمك عند الله ، فذبح من قفاه ، فبلغ ذلك الحسن فقال : اللهم يا قاصم الجبابرة أقصم الحجاج ، فما بقي إلا ثلاثة حتى وقع من جوفه دود فأنتن منه فمات . وقال سعيد للحجاج لما أمر بقتله وضحك فقال له : ما أضحكك ؟ فقال : أضحك من غيراتك علي ( 2 ) وحلم الله عنك . سعيد بن المسيب ابن حزن بن أبي وهب ( 3 ) بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي أبو محمد المدنف ، سيد التابعين على الاطلاق ، ولد لسنتين مضتا وقيل بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ، وقيل لأربع مضين منها ، وقول الحاكم أبي عبد الله إنه أدرك العشرة وهم منه والله أعلم . ولكن أرسل عنهم كما أرسل كثيرا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عن عمر كثيرا ، فقيل سمع منه ، وعن عثمان وعلي وسعيد وأبي هريرة ، وكان زوج ابنته ، وأعلم الناس بحديثه ، وروى عن جماعة من الصحابة ، وحدث عن جماعة من التابعين ، وخلق ممن سواهم ، قال ابن عمر : كان سعيد أحد المتقنين ، وقال الزهري : جالسته سبع حجج وأنا لا أظن عند أحد علما غيره ، وقال محمد بن إسحاق : عن مكحول قال : طفت
--> ( 1 ) في صفة الصفوة 3 / 79 : اجترح . ( 2 ) في ابن الأعثم 7 / 163 : عجبت من جرأتك على الله . وانظر أيضا صفة الصفوة 3 / 82 . ( 3 ) في طبقات ابن سعد 5 / 119 ، ووفيات الأعيان 2 / 375 : وهب بن عمرو بن عائذ . . .